المسعودي
50
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ذلك فقيل لي : إن الخليفة المنتصر انصرف من الميدان وهو عرق ، فدخل الحمام ونام في الباذهنج فضربه الهواء ، وركبته حُمَّى هائلة ، فدخل عليه أحمد بن الخصيب فقال له : يا سيدي ، أنت متفلسف وحكيم الزمان تنزل من الركوب تبعاً فتدخل الحمام ثم تخرج عرقاً فتنام في الباذهنج ، فقال له المنتصر : أتخاف أن أموت ؟ رأيت في المنام البارحة آتياً أتاني فقال لي : تعيش خمساً وعشرين سنة فعلمت أن ذلك بشارة في المستقبل من عمري ، وأني أبقى في الخلافة هذه المدة ، قال : فمات في اليوم الثالث ، فنظروا فإذا هو قد استوفى خمساً وعشرين سنة . وقد ذكر جماعة من أصحاب التواريخ أن المنتصر ضربته الريح يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول ، ومات مع صلاة العصر لخمس ليال خلون من ربيع الآخر ، وصلى عليه أحمد بن محمد المستعين ، وكان أول خليفة من بني العباس أظهر قبره ، وذلك أن أمه حبشية سألت ذلك ، فأذن لها ، وأظهرته بسامرا . الخلاف في سبب موت المنتصر : وقد قيل : إن الطيفوري الطبيب سَمَّه في مشراط حَجَمَه به ، وقد كان عزم على تفريق جمع ( 1 ) الأتراك ، فأخرج وصيفاً في جمع كثير إلى غَزَاة الصائفة بطرسوس ، ونظر يوماً إلى بُغا الصغير وقد أقبل في القصر ، وحوله جماعة من الأتراك - فأقبل على الفضل ابن المأمون ، فقال : قتلني الله إن لم أقتلهم وأفرق جمعهم ، بقتلهم المتوكل على الله ، فلما نظرت الأتراك إلى ما يفعل بهم ، وما قد عزم عليه ، وجدوا منه الفرصة . وقد شكا ذات يوم حرارة فأراد الحجامة ، فخرج له من الدم ثلاثمائة درهم ، وشرب شربة بعد ذلك فحلت قواه ، ويقال : ان السم كان في مبضع الطبيب حين فصده .
--> ( 1 ) في نسخة : جيش الأتراك .